الشيخ محمد رشيد رضا
201
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين فالقياس عليها يفيد الحلية حيث خصصوا بآية « وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ » آية « وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ » وآية « وما أهلي لغير الله به » وكذلك تكون مخصصة لآية المنخنقة ويكون حكم الآيتين خاصا بفعل المسلمين والإباحة عامة في طعام أهل الكتاب إذ لا فرق بين ما أهل به لغير اللّه وما خنق فإذا أبيح الأول فيما يفعله أهل الكتاب كذلك الثاني . وقد كنت رأيت رسالة لاحد أفاضل المالكية نص فيها على الحل وجلب النصوص من مذهبه بما ينثلج به الصدر سيما إذا كان عمل الخنق عندهم من من قبيل الذكاة كما أخبر كثير من علمائهم وان المقصود التوصل إلى قتل الحيوان بأسهل قتلة للتوصل إلى أكله بدون فرق بين طاهر ونجس مستندين في ذلك لقول الإنجيل على زعمهم فلا مرية في الحلية على هاته المذاهب . فان قلت كيف يسوغ تقليد الحنفي لغير مذهبه ؟ قلت أما ان كان المقلد من أهل النظر وقلد الحنفي عن ترجيح برهان فهذا ربما يقال إنه لا يسوغ له ذلك ( أي الا أن يظهر له ترجيح دليل الحل ثانيا ) وأما ان كان من أهل التقليد البحت كما هو في أهل زماننا فقد نصوا على أن جميع الأئمة بالنسبة اليه سواء والعامي لا مذهب له وانما مذهبه مذهب مفتيه ، وقوله : أنا حنفي أو مالكي : كقول الجاهل : أنا نحوي : لا يحصل له منه سوى مجرد الاسم فبأي العلماء اقتدى فهو ناج . على أن الكلام وراء ذلك فقد نصوا على الجواز والوقوع بالفعل في تقليد المجتهد لغيره والكلام مبسوط في ذلك في كثير من كتب الفقه وقد حرر البحث أبو السعود في شرح الأربعين حديثا النووية والف في ذلك رسالة عبد الرحيم المكي فليراجعهما من أراد الوقوف على التفصيل « فان قيل : قد ذكرت ان الخنزير محرم وهو من طعامهم فلماذا لا يجعل مخصصا بالحلية بهذه الآية أي آية طعامهم وإذا جعلت آية تحريمه محكمة غير منسوخة فكذلك تكون المنخنقة ولماذا تقيسها على مسألة التسمية ولا تقيسها على مسألة الخنزير وأي مرجح لذلك ؟ فالجواب ان المأكولات منها ما حرم لعينه ومنها ما حرم لغيره « تفسير القرآن » « 26 » « الجزء السادس »